محمد أبو زهرة
5083
زهرة التفاسير
يعملون ليترقبوا جزاءه الوفاق لأعمالهم ، وهم بشر يجزون بالخير على ما يقدمون كغيرهم من البشر . وقد أشار سبحانه إلى أن الناس جميعا فطرة واحدة ينبعثون عن غرائز واحدة ، ويختلفون عند اصطدام هذه الغرائز ، واختلاف النزوع باختلافها ، ولذا قال عزّ من قائل : وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ( 52 ) . وَإِنَّ هذِهِ إن بالكسر ، على أن الواو لاستئناف كلام جديد ، له وثيق الصلة بالآية السابقة ، وقال أكثر المفسرين : إن الأمة بمعنى الدين والملة ، وأمة منصوبة بالحال ، أي أن هذه أمتكم حال كونها أمة واحدة أي على دين واحد ، وهو توحيد اللّه - تعالى - بلغته الرسل أجمعون ، ولكن جاء الاختلاف ، فتقطعوا زبرا ، وصاروا أحزابا ، ولكن كل حزب بما لديهم فرحون ، وقوله تعالى : وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ، أي أن ربكم واحد ، كما أن دينكم واحد ، أجمع عليه الرسل الذين بعثوا من عند اللّه ، والفاء في قوله تعالى : فَاتَّقُونِ سببية ، أي بسبب أنى ربكم الذي خلقكم ، ويكلؤكم بالليل والنهار فَاتَّقُونِ ، أي اعبدوه ، واجعلوا بينكم وبين غضبه وقاية . هذه على تفسير أمتكم بمعنى دينكم الواجب اتباعه ، ولا يصح أن تسمى غير التوحيد دينا قيما ، وقد عرض لي أن نفسر كلمة أمة بما فسرناها به في سورة البقرة ، في قوله تعالى : كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً . . . ( 213 ) [ البقرة ] ، أي صنفا على طريقة واحدة ، وعلى غرائز واحدة وقد تتناحر نوازع نفوس التي تسير وراء الغرائز من غير تهذيب بدين يجئ به نبي مرسل ، وبذلك يترتب التقاطع من هذه الوحدة في الغرائز والطبائع ، فإذا كان حب الغلب غريزة ، فإنه لا بد من التغالب ؛ لأن كلا يجد في نفسه دافعا لأن يكون هو الغالب ، فيكون التنازع والتقاطع ، ويكون التعبير بالفاء في قوله في الآية الآتية : فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً . . . ، أي أنه جاء التقطع من وحدة الغرائز . هذا ما بدر لنا ، واللّه أعلم بمراده ، وقوله : وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ، أي أن النداء بالتقوى لكف الغرائز ، وتهذيبها هو الذي يكفها ، ويجعلها في ميزان الاعتدال .